تتفاقم معاناة اللاجئين الفلسطينيين داخل المخيمات والتجمعات في لبنان، مع تزايد الحاجة إلى خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” بوصفها الركيزة الأساسية في مجالات الصحة والتعليم والإغاثة، وذلك في ظل التدهور الحاد وغير المسبوق للأوضاع الاقتصادية والمعيشية في لبنان، جراء استمرار العدوان “الإسرائيلي” وتصاعد احتياجات اللاجئين وخصوصاً في ظل النزوح وتوقف الأعمال.
غير أن الفجوة بين حجم الخدمات المقدمة والاحتياجات المتصاعدة لأهالي المخيمات تتسع بشكل ملحوظ، ما يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل هذه الخدمات واستمراريتها، وسط ترقب لانهيار اجتماعي ومعيشي خطير.
واقع خدمات يستمر بالتراجع وغياب خطة إغاثية
وتقدم وكالة “أونروا” خدمات أساسية تشمل الرعاية الصحية الأولية، التعليم في مدارسها، وبرامج الإغاثة والمساعدات النقدية، ويعتمد عليها عشرات آلاف اللاجئين الفلسطيني بشكل شبه كلي في ظل غياب البدائل.
إلا أن هذه الخدمات، بحسب شهادات ناشطين وسكان، لم تعد تواكب الحد الأدنى من الاحتياجات، خصوصاً مع الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة وتزايد أعداد المحتاجين والنازحين في ظل العدوان “الإسرائيلي” المستمر.
وفي هذا السياق، قال الناشط الفلسطيني سامر بجيرمي، لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: إن الواقع وصل إلى مرحلة من الإحباط المتقدم، مضيفاً: “من خلال تجربتي في الشؤون العامة ومتابعتي للوضع الاجتماعي وحقوقنا مع وكالة أونروا، وصلنا إلى مرحلة من اليأس، لطالما تحدثنا عن الجهات الفاعلة والمسؤولة، لكن المشكلة اليوم أنها لم تعد فاعلة ولا تتحمل مسؤولياتها”.
ودعا بجيرمي إلى تحرك مجتمعي واسع، قائلاً: إن الشارع بكل شرائحه، وخاصة الشباب، مطالب بالتعبير عن رأيه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأكّد أنه “لا توجد حتى الآن أي خطة إغاثة واضحة من قبل أونروا أو دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير، ما يستدعي مرحلة جديدة من التحركات والأنشطة، لأن عدم التحرك سيقود إلى مزيد من تقليص الخدمات”.

وأضاف أن تجربة الحرب على غزة أظهرت حجم التقليصات التي طالت اللاجئين دون قدرة على الاحتجاج، مشيراً إلى أن ذلك أدى إلى خسائر كبيرة في الخدمات، واعتبر أن “الاعتصام أمام مكاتب الوكالة والاحتجاج السلمي يشكلان عنصر قوة للوكالة نفسها لمواجهة الدول المانحة”.
وتابع أن دور الشباب في بداية النزوح اقتصر على مبادرات توعوية وجمع تبرعات محدودة، لكنه اعتبرها غير كافية، منتقداً عدم قيام الوكالة بإحصاء دقيق للنازحين عبر مكتب الشؤون الاجتماعية، ومشيراً إلى “حالة من الألم والوجع والغصة نتيجة تراجع الخدمات”.
تراجع صحي يمس الأطفال والمساعدات النقدية غير كافية
من جهتها، أعربت السيدة لبنى حمد عن استيائها من تراجع الخدمات الصحية، وقالت لموقعنا: إن هناك نقصاً واضحاً في الأدوية وتراجعاً في تغطية الحالات المرضية، مشيرة إلى أن ذلك طال الأطفال أيضاً.
وقالت: “كان لدى ابني موعد لتلقي الفيتامين والمقوي الخاص بالأسنان، لكن لم يتم إعطاؤه، وتم تحديد موعد جديد، وقيل لي: إنه في حال استمرار الحرب لا يجب الحضور لأن الفيتامينات لا تصرف خلال هذه الفترة”، وتساءلت اللاجئة: “أليس من المفترض أن تكون الأولوية للأطفال في مثل هذه الظروف؟”
وانتقدت حمد قيمة المساعدة النقدية البالغة 50 دولاراً التي بدأت “أونروا” بتوزيعها، معتبرة أنها غير كافية في ظل الارتفاع الكبير في الأسعار واحتياجات الأطفال من الحليب والحفاضات، مطالبة بزيادتها خصوصاً للفئات الأكثر هشاشة.
أزمة صحية وتعليمية تتعمق ونقص بالأدوية
بدوره، قال الأستاذ هلال الأحمد لبوابة اللاجئين الفلسطينيين” إن تراجع خدمات “أونروا” أصبح واقعاً ملموساً يثقل كاهل اللاجئين الفلسطينيين، موضحاً أن القطاع الصحي شهد تقليصاً في عمل العيادات وإيقاف تغطية العمليات الباردة، وهي إجراءات ازدادت حدتها خلال الحرب.
وفي قطاع التعليم، أشار إلى وجود اكتظاظ كبير في الصفوف حتى قبل الحرب، إلى جانب فصل عدد من المعلمين وخفض رواتبهم، ما فاقم الأزمة التعليمية داخل المخيمات.
وحذّر الأحمد من أن هذه الإجراءات قد تكون مقدمة لإنهاء عمل الوكالة، معتبراً أن ذلك يخدم أجندات تسعى إلى إنهاء دورها بوصفها “الشاهد الوحيد على قضية اللاجئين الفلسطينيين”، على حد تعبيره.
ودعا إلى إعادة النظر في سياسات “أونروا” وزيادة خدماتها في القطاعين الصحي والتعليمي، وتأمين الأدوية وتوسيع التغطية الطبية ودعم المدارس بالكادر التعليمي، مؤكداً ضرورة عدم تقليص الخدمات في هذه المرحلة الحرجة.
وفي شهادة أخرى، تحدثت إحدى السيدات عن معاناتها مع نقص الأدوية، قائلة: إن والدتها المصابة بمرض في القلب تحتاج إلى أدوية شهرية بكلفة مرتفعة، إلى جانب الفحوصات الطبية المكلفة.
وأضافت: أن بعض الأدوية غير متوفرة لدى “أونروا”، بينما يتم تأمين المتوفر منها، مشيرة إلى أن إحدى الفواتير التي دفعتها عندما اضطرت إلى شراء الدواء لوالدتها بلغت 7 ملايين و500 ألف ليرة لبنانية، وقد ترتفع أحياناً أكثر من ذلك.

وأكدت أن الأولوية اليوم باتت لتأمين الدواء، في ظل الغلاء الفاحش الذي جعل العديد من العائلات عاجزة عن تغطية احتياجاتها الأساسية، ما يدفعها إلى الاستدانة أو التخلي عن ضروريات حياتية.
وفي ظل هذا الواقع المتشابك بين تراجع خدمات “أونروا” وتصاعد الأزمات الاقتصادية والمعيشية وظروف الحرب، يجد اللاجئون الفلسطينيون أنفسهم أمام تحديات غير مسبوقة تهدد الحد الأدنى من مقومات حياتهم.
فبين نقص التمويل وتزايد الاحتياجات، تتسع الفجوة بشكل مقلق، ما يفرض تحركاً عاجلاً من الجهات المعنية لضمان تعزيز الخدمات لا تقليصها، خاصة أن المخيمات لم تعد قادرة على تحمل مزيد من الأعباء، وأي تراجع إضافي قد يدفع نحو مزيد من التدهور الإنساني والمعيشي.
