بقلم الدكتور عصام يوسف رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة
قبل الإجابة عن السؤال المهم «كيف يمكن إنقاذ وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في ظل الضغط والتضييق التي تعيشه بسبب الاحتلال الإسرائيلي؟» يجب معرفة طبيعة دور الوكالة الأممية.
هي وكالة إنسانية أُنشئت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949 بعد نكبة 1948م، بهدف تقديم الإغاثة والخدمات للاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس وهي الضفة الغربية، قطاع غزة، الأردن، لبنان، وسورية.
وفي سرد سريع لأبرز أدوارها الإنسانية والخدماتية يمكن فصلها كما يلي:
التعليم:
– تدير مئات المدارس التي تقدّم تعليمًا مجانيًا لمئات آلاف الطلبة اللاجئين.
– تُعد من أكبر مزوّدي التعليم الأساسي في حالات الطوارئ بالمنطقة.
الصحة:
– تشغّل عيادات ومراكز رعاية صحية أولية (تطعيمات، متابعة أمراض مزمنة، صحة أم وطفل).
الإغاثة والخدمات الاجتماعية:
– مساعدات غذائية ونقدية للأسر الأشد فقرًا.
– دعم في حالات الطوارئ (الحروب، النزوح، الكوارث).
البنية التحتية وتحسين المخيمات:
– صيانة مساكن، شبكات صرف، مدارس ومرافق داخل المخيمات.
التشغيل وبرامج القروض الصغيرة:
تتبع وكالة الأونروا الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي هيئة أممية رسمية تعمل بموجب تفويض يُجدَّد دوريًا من الجمعية العامة.
لكنها تختلف عن وكالات أممية أخرى بأنه لا تموَّل من الميزانية الأساسية المنتظمة للأمم المتحدة ما يجعلها تعتمد بشكلي كلي على تمويل المانحين، وتبرعات طوعية من الدول الأعضاء، ومساهمات من الاتحاد الأوروبي ومؤسسات دولية، ودعم من بعض الجهات الخاصة، هذا يعني أن ميزانيتها ليست مضمونة سنويًا، بل تعتمد على حجم التعهدات المالية التي تصلها.
وبناء على ما يتوفر من دعم تؤقلم عملها، وتقدم مشاريعها، ما يجعلها مضطرة أحيانًا لتقليص خدماتها في حال حدث عجز مالي، أو تأجيل مشاريعها الإنسانية أو تخفيض عدد موظفيها وبرامجها، بمعنى أن مستوى الخدمات يرتبط مباشرة بحجم التمويل المتوفر.
أبرز الجهات المانحة للأونروا قبل التضييق الأخير، ووقف عدة جهات تمويلها:
– الولايات المتحدة: نحو 343.9 مليون دولار.
– ألمانيا: نحو 202.1 مليون دولار.
– الاتحاد الأوروبي: نحو 114 مليون دولار.
– السعودية: حوالي 27 مليون دولار تقريبًا.
– قطر: حوالي 10–12 مليون دولار.
– تركيا: حوالي 25 مليون دولار.
من أوقف أو علّق تمويله في السنوات الأخيرة؟
بعد الحملة «الإسرائيلية» ضد الوكالة بهدف وقف خدماتها، وتوجيه الاتهامات لها بعلاقتها بالتنظيمات الفلسطينية والعمل المسلح ورغم نفي الوكالة وعدم تقديم الاحتلال أي دلائل، إلا أن العديد من الدول أعلنت تعليق أو وقف تمويلها للأونروا مؤقتًا أو بشكل دائم، وأبرزها (الولايات المتحدة، ألمانيا، المملكة المتحدة، كندا، أستراليا، إيطاليا، اليابان)
ماذا يعني هذا من حيث المال؟
قبل الأزمة كانت أكثر من نصف ميزانية الأونروا تأتي من 3 جهات فقط، وهي الولايات المتحدة، وألمانيا، والاتحاد الأوروبي، مجتمعة تُشكل نحو 60% من التمويل الكلّي، وتعليق تلك التمويلات ترك فجوة كبيرة في ميزانية الوكالة.
تقول الوكالة الأممية إن ما يحدث ليس أزمة تمويل عابرة، ولا «سوء إدارة» مؤقتً، ولا مجرد ارتدادات لحرب الإبادة على غزة، إنما عملية إعدام منهجي، متسارع، محسوب، يُنفَّذ على مراحل، وبأدوات متعددة: قتل وتجويع، تشويه وابتزاز، تقليص وتفريغ.
«الأونروا» كانت هدفاً لحرب الإبادة في غزة منذ اليوم الأول لها، اتهمت بمساعدة الفصائل الفلسطينية، وقُتل المئات من موظفيها في استهداف مباشر لهم خلال عملهم الإنساني، وقصف منازلهم ومسحهم من السجل المدني مع عوائلهم.
دُمّرت العشرات من مقارهم ومؤسساتهم ومدارسهم، ترافق ذلك مع حملة شيطنة شنتها حكومة الاحتلال ضد الوكالة الإنسانية، حتى طالها العدوان في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
الاحتلال يريد وكالة على طريقته ووفق عقليته، وكالة وفق شروطه السياسية، وسلخها عن تفويضها الشرعي وتبهيت حقوق اللاجئين، أو ألا تكون الوكالة وتستبدل بأجسام بديلة بلا قيمة حقيقية وجوهرية.
محاولات إيجاد جسم بديل لم يكن مجرد فكرة «إسرائيلية» بل سعت بكل قوة لتنفيذ ذلك بدعم أمريكي عبر محاولة إيجاد أجسام أطلقت عليها وصف «مؤسسات خيرية»، لتوزيع المساعدات الإنسانية على سكان غزة، لكن في حقيقتها كانت أمنية وعسكرية يقودها الجيش ومؤسساته، كانت تهدف لإذلال الناس وقتلهم.
انتهى دور المؤسسات البديلة وباءت جميعها بالفشل، ومع وقف إطلاق النار عادت المؤسسات الخيرية والدولية بالعمل في غزة بالحد الأدنى مع التضييق على عملها، لكن الأخطر أن الواقع الجديد الذي فرضته الحرب، يلغي وجود دور مركزي وحقيقي للأونروا.
بل والأخطر، أن توصيات عدة تُطرح بنقل بعض خدمات الأونروا إلى وكالات أممية، يبدو الأمر فنيا وتقنيا وبنظرة سريعة، لا يوجد مشكلة المهم بقاء العمل، لكنها خطوة مدروسة تهدف لتفكيك تدريجي لوكالة الغوث، وتحقيق هدف الاحتلال «الإسرائيلي».
الوكالة ليس طرد غذائي ولا مساعدة تعليمية وصحية، بل وجودها يعني حق العودة وأن اللاجئ الفلسطيني ما يزال صاحب حق وأرض ويجب أن يعود لحقه وأرضه، هو التعبير الدولي الوحيد أن الشعب الفلسطيني المُهجر يجب أن يعود يوماً لأرضه وتحل قضيته، ووقتها لا حاجة لوكالة أممية ولا غيرها.
توفير الدعم اللازم
لكن ما بشأن الدور العربي والإسلامي؟ في مناسبات عدة، أكدت تلك الدول أهمية دور الأونروا ورفضهم للإجراءات «الإسرائيلية» ضدها وأن دورها لا غنى عنه في حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين ورعاية شؤونهم، وأنها على مدار عقود نفذت ولاية فريدة أوكلها لها المجتمع الدولي، تُعنى بحماية اللاجئين الفلسطينيين وتقديم خدمات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية والمساعدة الطارئة لملايين اللاجئين في مناطق عملياتها.
لكن الدور العربي والإسلامي يقتصر على البيانات والتصريحات، والدعم الذي لا يكفي لإنقاذ الوكالة بل يجعلها دومًا في «مساحة الخطر» ولا يقدم دور حقيقي لاستمرار دورها الفاعل.
للأسف الشديد، الدول العربية قدمت (للأونروا) عام 2024م – وفق الوكالة- 190 مليون دولار، لكن عام 2025م قدمت فقط 14 مليون دولار.
جزء مهم من الحل تبني الدول العربية والإسلامية توفير الدعم المالي والسياسي للأونروا، وهناك عدة دول عربية تقوم بذلك وفق ما موضح سابقا، لكن هذه المبالغ تعد قليلة جداً، ويجب أن تعمل لزيادة الموازنات السنوية المقررة للوكالة الإنسانية والإغاثية.
الكثير من الدول العربية والإسلامية يمكن أن تقدم دعماً كبيرًا، والأهم من ذلك أن تكون المبالغ بمبدأ الاستدامة طويلة الأمد وهو التحدي الحقيقي، لضمان عمل الوكالة رغم كل التحديات.
الوكالة بحاجة إلى الدعم العربي حتى تتمكن أن تواصل خدماتها ليس فقط في غزة والضفة الغربية والقدس، ولكن في سورية ولبنان والأردن.
سؤال يقود لتصور آخر للأمر، هل يمكن إنشاء منظمة بديلة موازية للأونروا؟، بطبيعة الحال يمكن للدول العربية والإسلامية أو عبر منظمة التعاون الإسلامي أو جامعة الدول العربية إنشاء صندوق أو وكالة إنسانية خاصة باللاجئين الفلسطينيين.
في النهاية، ما يجب التأكيد عليه أن الدعم العربي والإسلامي الموسّع للأونروا والمستدام، يمكن أن يضمن عودة عمل الأونروا وتقديم خدماتها لنحو 5.9 مليون لاجئ فلسطيني في الأراضي الفلسطينية ومخيمات الشتات.
استبعاد وإنهاء دور الوكالة التدريجي في غزة يعني انهيار العملية الإنسانية، فالأونروا هي العمود الفقري للعملية الإنسانية، ولديها آلاف الموظفين وتمتلك الخبرات وسجلات التوزيع وآليات التوزيع، التي تجعل العمل الإنساني يحترم كرامة المواطن الفلسطيني، ويمنع حدوث أي فوضى وخلل في عملية التوزيع.
يجب أن تبقى الأونروا لأنها في نظر المجتمع الدولي بغالبيته الساحقة عنصر استقرار إقليمي أيضا وليس فقط مزودة للخدمات.
