لا يمكن حصر الحديث عن معاناة الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال بمناسبة وطنية أو تاريخ محدد أو حادثة ما، فالمعاناة تمتد وتتواصل ويجب عدم التوقف عن الحديث عنها وعن آلام تختفي وتموت خلف القضبان لعشرات السنين!
وفق مؤسسات الأسرى، فإن عدد الأسرى في سجون الاحتلال ارتفع 83% منذ بدء الحرب «الإسرائيلية» على قطاع غزة في أكتوبر 2023م، ليتجاوز العدد اليوم 9600 أسير، مقارنة بنحو 5250 قبل الحرب، من بينهم 86 أسيرة، ونحو 350 طفلاً.
عدد الأسرى المحكوم عليهم بالسجن المؤبد يبلغ 118 أسيرًا، فيما تبقى 8 أسرى معتقلين منذ ما قبل اتفاق أوسلو عام 1995م.
مدة الأحكام
تتسم الأحكام التي تصدرها محاكم الاحتلال «الإسرائيلي» بحق الأسرى الفلسطينيين بقسوتها، وتستند إلى منظومة قانونية وعسكرية تهدف إلى التضييق عليهم، حيث تشمل أحكاماً بالمؤبدات، الاعتقال الإداري، ومؤخراً المصادقة على قانون إعدام الأسرى.
أبرز أنواع الأحكام والسياسات العقابية
أحكام المؤبدات: يقضي عدد كبير من الأسرى أحكامًا بالسجن المؤبد، ووصلت بعض الأحكام إلى أرقام قياسية، مثل الأسير عبدالله البرغوثي المحكوم بـ67 مؤبدًا، و5200 عام.
الاعتقال الإداري: يحتجز الاحتلال مئات المعتقلين تحت أوامر الاعتقال الإداري دون توجيه تهمة أو محاكمة، ولمدد غير محددة، مما يعتبر مخالفة للمواثيق الدولية.
قانون إعدام الأسرى: صادق الكنيست «الإسرائيلي» على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذين ينفذون عمليات، في خطوة توصف بأنها أخطر تحول عقابي، حيث تتضمن العقوبة الإعدام شنقاً خلال 90 يوماً دون إمكانية العفو أو تخفيف الحكم.
الأحكام الطويلة والتعسفية: يُحكم على العديد من الأسرى بالسجن لسنوات طويلة بناءً على ادعاءات أمنية.
قتل الأسرى!
تشهد الأوضاع الصحية للأسرى تدهوراً متزايداً، إذ تفيد مؤسسات معنية بشؤون الأسرى بأن معظمهم يعانون من أمراض، سواء كانت سابقة للاعتقال أو نتيجة للإصابات أو بسبب ظروف الاحتجاز.
وبلغ عدد الأسرى الذين توفوا في سجون الاحتلال منذ عام 1967م، نحو 326 أسيرًا، بينهم 89 منذ أكتوبر 2023م.
كما يحتجز الاحتلال «الإسرائيلي» جثامين 97 أسيرًا توفوا داخل السجون.
ظروف الاعتقال القاسية
معاناة الأسير لا تبدأ في السجن، بل منذ لحظة الاعتقال الأولى، حيث يتعرض لاعتقال وحشي عنيف يبدأ بالاقتحامات الليلية والترويع، ويمرّ بالتقييد والنقل في ظروف مهينة، وتم تسجيل حالات متكررة من التعنيف الجسدي واللفظي، ما يترك آثارًا طويلة الأمد على الأسير وعائلته.
يمرّ الأسرى، خصوصًا في فترات التحقيق، بظروف صعبة تتضمن العزل لفترات طويلة، والحرمان من النوم، والضغط النفسي، وغالبًا ما تُستخدم هذه الأساليب لانتزاع اعترافات، في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الضمانات الإنسانية.
وتتسم الحياة اليومية داخل السجون بالاكتظاظ ونقص الاحتياجات الأساسية، من غذاء ورعاية صحية، كما يعاني الأسرى المرضى من تأخير العلاج أو الإهمال الطبي؛ ما يفاقم حالتهم الصحية، ويُضاف إلى ذلك القيود المفروضة على الزيارات والتواصل مع العائلات، ما يعمّق الشعور بالعزلة.
يُستخدم العزل الانفرادي كإجراء قاسٍ بحق بعض الأسرى، حيث يُحتجز الأسير في مساحة ضيقة لفترات طويلة، مع تقييد شديد للتواصل الإنساني، ويؤدي ذلك إلى آثار نفسية عميقة، قد تستمر حتى بعد الإفراج.
شهادات صعبة
وأظهرت شهادات وثقتها جهات مختلفة تعرض الأسرى الفلسطينيين لانتهاكات وحشية وبشعة غير إنسانية، عددها رئيس نادي الأسير الفلسطيني في الصعقات الكهربائية والتعرية والنهش من طرف الكلاب البوليسية وهم عراة، وقال: إن أصعب ما تم توثيقه هي عمليات الاغتصاب التي مارسها السجانون وجنود الاحتلال بحق الأسرى، وهي جريمة ضد الإنسانية يحاسب عليها القانون الدولي الإنساني.
ويهدف الاحتلال «الإسرائيلي» عبر هذه الانتهاكات الوحشية إلى الانتقام من الفلسطيني ومحاولة كسر إرادته وامتهان كرامته، حيث أجبر الأسرى على تقليد أصوات الحيوانات والسماح لجنود الاحتلال بالركوب فوق ظهورهم.
أسرى غزة
أما الأسرى من قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر 2023م، فالمعاناة مضاعفة، حيث تصاعدت جرائم الإخفاء القسري بحق الآلاف من أبناء غزة، من بينهم نساء وأطفال.
هناك غموض في مصير المعتقلين وصعوبة الوصول إلى بيانات دقيقة عن أعدادهم أو أوضاعهم.
الأخطر وفق المؤسسات الحقوقية، دور منظومة القضاء «الإسرائيلية» التي ساهمت في «ترسيخ جريمة الاختفاء القسري، بشرعنة جرائم التعذيب بحقّ معتقلي غزة، وذلك باحتجاز الآلاف منهم استنادًا إلى قانون المقاتل غير الشرعي الذي أقره الكنيست عام 2002م، إذ شكّل غطاء لممارسة التعذيب على نطاق واسع».
المعطيات «الإسرائيلية» تفيد بتصنيف نحو 2378 فلسطينياً من غزة ضمن فئة «المقاتلين غير الشرعيين» منذ 2023م، بينما بلغ عدد الفلسطينيين من معتقلي قطاع غزة الذين توفوا داخل السجون «الإسرائيلية» نحو 46 شخصًا ممن تم التعرف على هوياتهم، وذلك من 77 معتقلًا توفوا داخل السجون منذ بدء الإبادة الجماعية، وفق البيان.
جرائم لا يمكن الحديث عنها ووصفها بمقال أو اثنين أو مئات المقالات والتصريحات والدراسات نظرًا لحجمها وبشاعتها وخطورتها، لكن الجريمة الأكبر هي صمت المجتمع الدولي عن جرائم تخالف القانون الإنساني الدولي ومبادئ حقوق الإنسان.
والسؤال هنا: أين الدول والمنظمات الحقوقية ومؤسسات حقوق الإنسان الدولية عن متابعة قضايا المعتقلين الفلسطينيين والتدخل لدى حكوماتهم من أجل الضغط على دولة الاحتلال للكف عن ممارساتها التعسفية بحقهم والعمل على الإفراج عنهم؟
