بقلم الدكتور عصام يوسف
رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة
منذ إعلان وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، انتقل هذا الملف الإنساني الكبير إلى ملف سياسي اقتصادي ربحي دولي، بقيادة أمريكية، لا تنظر للضحايا على أنهم بشر، ولا لغزة على أنها مدينة منكوبة؛ بسبب الحرب الإسرائيلية الطاحنة المدمرة، بل كمشروع ربحي وصفقات.
التحول الرئيس في هذا الملف هو اعتبار غزة مشروعا دوليا لإعادة الإعمار وإدارة المرحلة الانتقالية، بمشاركة دولية يشرف عليها مجلس السلام الذي يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وما يصاحب ذلك من أبعاد مالية ضخمة.
صفقة مالية
طرح ترمب ما أطلق عليه “مجلس السلام”، وهو هيئة دولية لحكم وإعادة إعمار غزة ضمن خطة أمريكية شاملة لإنهاء الحرب وتحقيق ما يوصف بأنه سلام مستدام.
وأعلن عن مساهمات مالية كبيرة من دول حليفة للولايات المتحدة، وغير ذلك من الجهات، بما في ذلك حجم تمويل أولي يقدر بمليارات الدولارات، ومن ضمنها مساهمة مالية ضخمة تؤمن مقعدا دائما في المجلس.
الهدف المعلن هو إعادة إعمار القطاع وتوفير الخدمات الأساسية، لكنه في واقع الأمر يتجاوز ذلك إلى خلق إطار دولي جديد لإدارة غزة، وهو ما يرى فيه البعض صفقة مالية سياسية، تتحول فيها غزة من ساحة حرب إلى مساحة اتفاق إستراتيجي دولي، يدار من خلال تمويل دولي وإشراف متعدد الأطراف. ولا يقتصر ذلك على الجانب الفلسطيني فقط، بل يشمل دولا إقليمية ومنظمات دولية.
تقرير استقصائي أعدته صحيفة الغارديان يكشف أن ما يجري لم يعد يقتصر على وقف إطلاق نار، أو قوة دولية، أو لجنة تكنوقراط، بل دخل مرحلة أخطر: استثمار الحرب نفسها، وتحويل الكارثة إلى سوق مفتوح.
في ظل تدمير ثلاثة أرباع مباني غزة، وتقدير الأمم المتحدة كلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار، فإن هذا الرقم، بالنسبة لعالم المقاولات والسياسة، لا يعني مأساة، بل فرصة ذهبية.
مجلس السلام.. ما هو وكيف يعمل؟
أعلن رسميا عن تشكيل مجلس السلام، الذي يضم شخصيات دولية وإقليمية بارزة.
ويهدف هذا المجلس إلى:
- الإشراف على المرحلة الانتقالية في غزة بعد الحرب.
- إدارة إعادة الإعمار وتنسيق التمويل الدولي.
- دعم مؤسسة الحكم المحلية (اللجنة التكنوقراطية) لتهيئة الظروف لاستقرار دائم.
العديد من الأسماء في المجلس تحمل علاقات جيدة مع الاحتلال الإسرائيلي، بل وكانت مواقفها واضحة في دعم حرب الإبادة ضد غزة.
وبحسب وثائق ومصادر اطلعت عليها صحيفة الغارديان، يتنافس مقاولون أمريكيون مقربون من إدارة ترمب، وشركات ذات ولاءات جمهورية واضحة، على السيطرة على المساعدات الإنسانية ولوجيستيات إعادة الإعمار قبل أن تبدأ فعليا.
المفارقة أن لا مجلس سلام بدأ عمله، ولا آلية دولية شفافة أقرت، لكن الخطط التجارية سبقت السياسة.
لجنة إدارة غزة
إلى جانب مجلس السلام الدولي، أعلن عن تشكيل لجنة فلسطينية وطنية لإدارة القطاع، تضم تكنوقراط غير سياسيين، وهي تعد خطوة أساسية نحو إعادة بناء المؤسسات المحلية وتنظيم الخدمات اليومية، على أن تظل هذه اللجنة تحت إشراف المجلس الدولي.
لكن هل بدأ العمل فعليا لمساعدة غزة؟
الحياة في غزة ما زالت تحت وطأة الأوضاع الإنسانية الصعبة، بفعل الدمار الكبير، ونقص الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات النزوح الداخلي.
الوضع الأمني لا يزال هشا، مع استمرار الخروقات المتكررة لوقف إطلاق النار، والعمليات العسكرية الإسرائيلية في بعض المناطق، وخاصة مناطق شرق القطاع.
لا يزال سكان المدينة يعيشون في الخيام بلا أدنى مقومات حياة، وكل الحديث الإعلامي عن غزة لا يتطرق إلى حياتهم ومعاناتهم.
