بقلم الدكتور عصام يوسف
رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة
في قرار مهم نظراً لطبيعته وتوقيته، جددت الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرًا ولاية وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) حتى 30 يونيو 2029، بعد تصويت واسع لصالحها (149 دولة مؤيدة).
هذا التجديد ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل يحمل رسالة سياسية وإنسانية واضحة، ويضع أمام المجتمع الدولي والدول العربية والإسلامية فرصة استراتيجية لإعادة تأكيد التزامهم بقضية اللاجئين وبالحقوق الوطنية الفلسطينية، في وقت يعمل فيه الاحتلال بكل الطرق لإنهاء دور الوكالة.
حرب على الأونروا
يشنّ الاحتلال حرباً سياسية وإعلامية ومالية ممنهجة ضد الأونروا بهدف تقويض عملها ووجودها في الأراضي الفلسطينية.
ورغم محاولاته ربط هذه الحرب بأحداث السابع من أكتوبر، إلا أن الحقيقة أن الاحتلال يعمل منذ سنوات على شيطنة الأونروا في الإعلام والدبلوماسية الدولية، والضغط على المانحين لوقف التمويل أو خفضه، وإطلاق اتهامات ملفقة وغير مثبتة بحق موظفين وبرامج، إضافة إلى منع وتقييد دخول المساعدات التي تُشرف عليها الوكالة، خصوصًا في غزة، واستهداف منشآتها بالقصف أو الاقتحام في الضفة وغزة والقدس.
ما الذي يريده الاحتلال؟
لأن الأونروا هي الشاهد الدولي الوحيد على قضية اللاجئين وحقهم في العودة إلى ديارهم، ويسعى الاحتلال منذ عقود لتصفية هذا الملف نهائيًا.
كما أن الأونروا تُعد الجهة الدولية الأكبر تأثيرًا في غزة من حيث حجم الخدمات والمساعدات في مختلف القطاعات.
ومؤخرًا، أقرت الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى مشروع قانون حكومي لتعديل قانون وقف نشاط الأونروا، وإحالته إلى لجنة الكنيست لتحديد اللجنة المختصة بمتابعته، بحيث يقضي بوقف تزويد منشآت الأونروا بالمياه والكهرباء.
الأهمية في المرحلة القادمة
مع تجديد الولاية، ستتمكن الأونروا من استمرار تقديم خدماتها بمختلف أشكالها لملايين الفلسطينيين الذين يعتمدون عليها في حياتهم اليومية، خاصة في ظل الأزمات المتكرّرة في غزة والضفة والقدس والشتات.
وتلعب الوكالة دورًا استراتيجيًا في استقرار الفلسطينيين: ليس فقط من الناحية الإغاثية، بل بوصفها مؤسسة تُبقي قضية اللاجئين على جدول الأعمال الدولي إلى حين التوصل إلى حل سياسي عادل.
وبحسب الخطة الاستراتيجية للأونروا 2023–2028، تسعى الوكالة إلى تحديث آلياتها، ورفع كفاءة التشغيل، وتطوير نماذج التمويل والتعاون، وتوسيع نطاق البرامج الإنسانية والتنموية.
هذا التوجه لا يهدف فقط إلى الاستمرار، بل إلى التحوّل التدريجي نحو نموذج أكثر استدامة وربطًا بالتنمية بدلاً من مجرد الإغاثة.
والمطلوب من الأونروا العمل بجميع الوسائل المتاحة لمواجهة حرب الاحتلال عليها، ودفعه للتراجع عن استهدافها من خلال مزيد من الفاعلية والإصرار.
الدور العربي والإسلامي
التحديات الكبيرة التي تواجه الأونروا تجعل من دور الدول العربية والإسلامية دورًا محوريًا في هذه المرحلة، ويتطلب ذلك:
زيادة الدعم السياسي والمالي للوكالة وبرامجها، خصوصًا في ظل انخفاض تمويل بعض الدول.
التأكيد العربي – كما جاء في مواقف الجامعة العربية – على أن دور الأونروا “لا يمكن الاستغناء عنه” حتى حل قضية اللاجئين وإقامة دولة فلسطينية، مع ضرورة ترجمة هذا الموقف إلى خطوات عملية على الأرض.
تعزيز التمثيل العربي في المؤسسات الدولية والتصويت لصالح الأونروا لتوفير غطاء سياسي قوي ضد محاولات التشكيك أو الإلغاء.
دعم خطة شراكة مستقبلية بين الأونروا والسلطة الفلسطينية أو مؤسسات مدنية فلسطينية، بحيث تنتقل بعض الخدمات تدريجيًا كالتعليم والصحة لمؤسسات الدولة الفلسطينية عندما تتوفر الظروف المناسبة.
هذا النهج يعزز قدرة الفلسطينيين على بناء دولة مستقلة، مع ضمان عدم حدوث فراغ خدماتي خلال مرحلة الانتقال.
تعزيز القدرات المحلية
تمويل ودعم مشاريع تنموية عبر الأونروا في المخيمات مثل التعليم التقني، والمشاريع الصغيرة، والتمويل الصغير، يمكن أن يخفّف الاعتماد طويل الأمد على المساعدات الطارئة.
وهذا مسار أساسي لتحويل الأونروا من مجرد وكالة إغاثة، إلى منصة لبناء قدرات محلية واقتصاد مجتمعي يساند الدولة الفلسطينية المستقبلية.
إن تجديد ولاية الأونروا حتى عام 2029 إنجاز مهم في سياق حقوق اللاجئين الفلسطينيين، لكنه أيضًا نقطة انطلاق لمهمة أكبر.
فالأونروا اليوم ليست فقط “وزارة إغاثة”، بل شريك استراتيجي في بناء مستقبل فلسطيني مستدام.
والعرب والمسلمون أمام مسؤولية مزدوجة: تقديم الدعم المالي والسياسي، وفي الوقت نفسه بناء رؤية استراتيجية شاملة تُدمج الدور الإغاثي للأونروا في مشروع الدولة الفلسطينية القادرة على تحمل مهامها الوطنية.
وقد يكون من المناسب أيضاً أن تُشكّل الدول العربية والإسلامية مؤسسة موازية ومُكمِّلة لدور الأونروا، تمثّل “ظلّ الأونروا”، ويكون هدفها تعزيز قدرات الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة وفي مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين في أماكن تواجدهم، وذلك في قطاعات التعليم والصحة والتنمية البشرية، إضافة إلى تطوير القدرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للشعب الفلسطيني.
وبذلك تستمر هذه “الوكالة” في عملها في حال قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، والتي من المؤكد أنّها ستحتاج إلى مثل هذه المنظمة لسنوات طويلة.
ويمكن أن تحمل اسم “منظمة التعاون الإسلامي لدعم الشعب الفلسطيني”، بحيث تتشابه في أهدافها وغاياتها مع منظمة التعاون الإسلامي، ولكن مع تخصّص مباشر ومركّز في دعم الشعب الفلسطيني. و لتكون بديلا طبيعيا في حال توقف عمل الأونروا سواء في حال قيام الدولة الفلسطينية و أو لأي قرار معطل لعمل الأونروا.
