يُعدّ ملف إعادة إعمار مخيم نهر البارد شمال لبنان أحد أبرز مشاريع إعادة إعمار مخيمات اللاجئين الفلسطينيين منذ تدميره عام 2007، خلال معارك الجيش اللبناني مع تنظيم “فتح الإسلام”، والتي انطلقت بعدها خطة الإعمار بإشراف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” على مراحل متعددة، شملت إعادة بناء الأحياء السكنية والبنى التحتية بدعم وتمويل دولي، ما أتاح عودة آلاف العائلات إلى منازلها خلال السنوات الماضية.
غير أن هذا المسار لا يزال متعثرًا في بعض الأحياء، وفي مقدمتها حي N45، الذي لم تستكمل أعماله حتى اليوم بفعل تعقيدات إدارية وتمويلية، إضافة إلى إشكاليات مرتبطة بملف الآثار، ما حال دون عودة عدد من العائلات، وسط مطالب متزايدة بإنهاء المشروع بشكل عاجل.
في هذا السياق، عقد عدد من أهالي حي N45 اجتماعًا في مكتب مدير خدمات “أونروا” في المخيم مع مدير المكتب محمد خليل، بمشاركة ممثلين عن الفصائل الفلسطينية ونشطاء، وبحضور مسؤول اللجان الشعبية في الشمال أبو ماهر غنومي، لبحث ملف الإعمار المتوقف منذ سنوات.
وخلال اللقاء، عبّر الأهالي عن غضب واستياء متصاعدَين نتيجة الوعود المتكررة التي لم تُنفّذ، رغم مرور أكثر من عقد على طرح ملف إعادة إعمار الحي. وأوضحوا أن الأعمال انطلقت لفترة وجيزة قبل أن تتوقف دون تقديم توضيحات رسمية، لتطرح لاحقًا عراقيل جديدة، كان آخرها إعادة فتح ملف الآثار، الأمر الذي فاقم معاناتهم وأطال أمد انتظارهم

مديرية الآثار تعرقل رغم إغلاق الملف
من جهته، شدد أبو ماهر غنومي على أن العائلات تمتلك حقًا كاملًا في إعادة إعمار منازلها، مشيرًا إلى أن أعمال التنقيب عن الآثار انتهت وأغلق الملف بشكل شبه كامل، باستثناء نقطة محدودة لا يفترض أن تعيق انطلاق المشروع.
واتهم مديرية الآثار بعرقلة استئناف الإعمار عمليًا، موضحًا أنه يجري إبلاغ الجهات المعنية بانتهاء الأعمال في الموقع، قبل أن يعاد فتح الملف مجددًا دون مبررات واضحة. وأضاف أن النقطة التي يجري التذرع بها لم تسجّل فيها أي أعمال منذ أشهر، معتبرًا استخدامها سببًا للتأخير ذريعة غير مبررة لتعطيل المشروع.
وطالب المجتمعون بعقد لقاء عاجل مع مدير قسم الهندسة في “أونروا” في لبنان المهندس نضال أيوب، ونائب رئيس برنامج البنى التحتية وتحسين المخيمات، إضافة إلى المهندس هشام الشولي، بهدف التوصل إلى حل جذري والتعامل مع الملف بجدية أكبر. كما ناشدوا السفير الفلسطيني واللجان الشعبية التدخل العاجل لإنهاء الأزمة.
انتظار لأكثر من 6 سنوات
وفي شهادات خاصة، عبّر عدد من الأهالي عن معاناة مستمرة منذ سنوات، مؤكدين أن ملف الإعمار بات قضية ملحّة لا تحتمل المزيد من التأجيل.
وقال ربيع الديك، أحد أبناء الحي، إن ما يجري بحقهم يعد من أكبر أشكال الظلم، موضحًا أن الحي كان من المفترض أن يُعاد إعماره منذ أكثر من ست سنوات، إلا أن التمويل سحب أكثر من مرة وحوّل إلى مشاريع أخرى.
وأضاف أن آخر الوعود نصّت على بدء المتعهد العمل بعد شهر رمضان، إلا أن المشروع جُمّد مجددًا بذريعة وجود عوائق مرتبطة بالآثار، رغم تأكيدات سابقة بانتهاء هذا الملف. وأشار إلى أن تواصل الأهالي مع المسؤولين أسفر عن إبلاغهم بعدم منح الإذن للمتعهد حتى الآن، دون توضيح الأسباب الفعلية.
وأكد الديك أن الأهالي لم يعودوا قادرين على تحمّل المزيد من الانتظار، لافتًا إلى أنهم يعيشون منذ سنوات في منازل مستأجرة وسط أعباء مالية مرهقة، موجّهًا نداءً إلى الفصائل واللجان الشعبية والنشطاء والإعلاميين للتحرك العاجل لإنصافهم.
كما حذّر من خطوات تصعيدية مرتقبة، تشمل الاعتصام داخل مكتب مدير المخيم وإغلاق مؤسسات حيوية في حال عدم تحديد موعد واضح لبدء الإعمار.
تلويح بتصعيد شعبي
بدوره، أوضح محمد طربيه أن الأهالي يعيشون حالة نزوح مستمرة منذ سبع سنوات، متنقلين بين المنازل المستأجرة في ظل وعود متكررة لم تتحقق، مشيرًا إلى أن بعض العائلات فقدت أفرادًا منها قبل أن ترى منازلها تعاد بناؤها.
وأكد أن مطلب الأهالي يقتصر على حقهم الطبيعي في العودة إلى بيوتهم، دون المطالبة بمساعدات مالية أو بدلات إيجار، داعيًا مختلف الفعاليات المجتمعية والدينية إلى دعم قضيتهم.
أما كايد، أحد سكان الحي، فوصف الواقع المعيشي بالقاسي، مشيرًا إلى أن العائلات تعيش في ظروف سكنية غير مستقرة وتجبر مرارًا على إخلاء المنازل المستأجرة، مؤكدًا أن المعاناة تفاقمت مع مرور الوقت في ظل غياب حلول عملية. وشدد على أن الأهالي لن يقفوا مكتوفي الأيدي، ملوّحًا بإجراءات تصعيدية تشمل إغلاق مداخل ومرافق في المخيم ومنع عمل المؤسسات للضغط من أجل تحقيق مطلبهم الأساسي بإعادة إعمار منازلهم.
ويبقى ملف حي N45 في مخيم نهر البارد نموذجًا صارخًا لتعثر مشاريع إعادة الإعمار، في ظل تضارب الوعود وغياب التنفيذ. ومع تصاعد أصوات الأهالي المطالِبة بحقوقها، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات التصعيد، ما لم تتخذ خطوات جدية وسريعة لإنهاء هذا الملف وإعادة العائلات إلى منازلها.
