قبيل أيام قليلة من حلول العيد، الذي كان يُفترض أن تضج فيه أزقة البلدة القديمة في القدس المحتلة بالحياة والمتسوقين، تبدو المدينة اليوم كأنها “مدينة مهجورة”.
صمت ثقيل يخيم على الأسواق التاريخية، وشوارع خالية إلا من دوريات الاحتلال، في مشهد يعكس قسوة الإجراءات العسكرية التي حوّلت قلب القدس النابض إلى منطقة معزولة بحجة “الوضع الأمني”.
حصار تحت مسمى “الطوارئ”
منذ إعلان سلطات الاحتلال ما تسميه “حالة الطوارئ”، شددت قواتها من قبضتها العسكرية داخل أسوار البلدة القديمة. الحواجز المفاجئة والتدقيق المهين في الهويات أصبحا جزءاً من يوميات المقدسيين، مما أدى إلى شلل شبه تام في حركة التنقل.
ولم تكتفِ السلطات بذلك، بل واصلت إغلاق المسجد الأقصى المبارك لليوم التاسع عشر التوالي، مانعة المصلين من الوصول إليه، في تصعيد وصفه مراقبون بأنه محاولة لتكريس واقع أمني جديد يفرض السيطرة الكاملة على المقدسات.
خناق اقتصادي وضرائب باهظة
هذا المشهد “المهجور” للبلدة القديمة لم يأتِ بمحض الصدفة، بل هو نتاج تراكمات اقتصادية أثقلت كاهل التاجر والمواطن المقدسي على حد سواء.
ففي ظل الإغلاقات المتكررة، يواجه أصحاب المحال التجارية خسائر فادحة نتيجة انعدام القوة الشرائية، في وقت لا تتوقف فيه سلطات الاحتلال عن فرض الضرائب المرتفعة و”الأرنونا” والغرامات المالية الباهظة، التي تهدف بالأساس إلى دفع السكان للهجرة الطوعية عن مدينتهم.
يقول أحد تجار البلدة القديمة: “نحن نعيش صراعاً بين البقاء وبين الانهيار المالي؛ فالمحل مغلق بقرار عسكري غير مباشر، والالتزامات المالية للاحتلال تلاحقنا في بيوتنا”.
واقع أمني متجذر
يُذكر أن هذه الإجراءات المكثفة بدأت تأخذ منحىً تصاعدياً منذ التوترات الإقليمية الأخيرة، حيث استغل الاحتلال الوضع لفرض حصار مشدد على الأحياء المقدسة.
ويرى خبراء في شؤون القدس أن “الحالة الأمنية” ليست إلا غطاءً لتغيير المعالم الديموغرافية والاجتماعية للمدينة، حيث تتحول البلدة القديمة في كل “عيد” أو “مناسبة دينية” إلى ثكنة عسكرية، مما يحرم الفلسطينيين من فرحتهم ويحول طقوسهم إلى رحلة من العذاب والمواجهة اليومية.
بين صمت الأسواق وأنين المآذن المحاصرة، تبقى القدس ببلدتها القديمة شاهدة على صمود أصحابها في وجه سياسات تهدف إلى إطفاء بهجة العيد في عيون أطفالها، وتحويل شوارعها التاريخية إلى ممرات خالية من أهلها.
