بقلم الدكتور عصام يوسف
رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة
هل أسس «اتفاق أوسلو» لمسار سياسي ومنح الفلسطينيين اعترافًا دوليًا أوسع، أم كرّس تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق وأبقى السيطرة «الإسرائيلية» الواسعة، وجعل المرحلة المؤقتة واقعًا دائمًا دون قيام دولة؟
بين من يراه أفضل ما حققه الفلسطينيون، ومن يراه أكبر اتفاق دمر الشعب الفلسطيني وقضيته، الكثير من التفاصيل والمعيطات.
بداية «اتفاق أوسلو» هو مجموعة من الاتفاقيات السياسية وُقّعت بين منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال «الإسرائيلي» عام 1993م، بعد مفاوضات سرّية جرت في مدينة أوسلو النرويجية، وقد جرى التوقيع الرسمي في واشنطن برعاية الولايات المتحدة.
ويتهم الفلسطينيون «إسرائيل» بعدم الالتزام ببنود الاتفاق، خصوصًا ما يتعلق بوقف الاستيطان ونقل الصلاحيات، وأنها أخذت منه ما تريد فقط، مثل التنسيق الأمني.
فيما يلي سرد لأبرز ما نصّ عليه الاتفاق ولم يتحقق بفعل التهرب «الإسرائيلي».
قضايا الوضع النهائي
لم تُحسم القضايا الجوهرية التي كان يفترض التفاوض بشأنها، وأبرزها: القدس، واللاجئون، والحدود النهائية، والمستوطنات، والمياه، والترتيبات الأمنية الدائمة.
الدولة الفلسطينية
كان يُفترض أن تقود المرحلة الانتقالية إلى تسوية نهائية خلال 5 سنوات، لكن لم تُقم دولة فلسطينية مستقلة حتى اليوم.
الاستيطان
التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، خصوصًا في المنطقة «ج» أضعف فرص تنفيذ الاتفاق كما كان متوقعًا.
وأظهر تقرير أعدّه المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان استمرار حكومة الاحتلال في تنفيذ مشاريع استيطانية واسعة في الضفة الغربية، تحت مسمّى «تسوية وتسجيل الأراضي»، بما يشكل خرقاً للقانون الدولي، وتهديداً لحق الفلسطينيين في أراضيهم.
وفي رقم قياسي، صادقت سلطات الاحتلال خلال عام 2025م، على بناء أكثر من 28 ألف وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية حسب تقرير أصدرته حركة السلام الآن اليسارية «الإسرائيلية» المختصة بمراقبة الاستيطان.
المرحلة الانتقالية
تحوّلت من مرحلة مؤقتة (5 سنوات) إلى واقع ممتد لأكثر من 3 عقود دون تسوية نهائية.
هل انتهى الأمر إلى هنا، بل أكثر من ذلك.
القدس عاصمة لـ «إسرائيل»!
في 6 ديسمبر 2017م أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترمب اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لـ«إسرائيل»، وقرّر نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.
وبالفعل افتُتحت السفارة الأمريكية رسميًا في القدس في 14 مايو 2018م، بالتزامن مع الذكرى السبعين لإعلان قيام دولة «إسرائيل».
جدار الفصل العنصري
وهو جدار مرتفع بنته «إسرائيل» عام 2002م، ويمتدّ في أجزاء واسعة من الضفة الغربية، فهو لا يسير بالكامل على «الخط الأخضر»، بل يتوغّل في عمق الضفة الغربية في مناطق عدة، يتكوّن من:
- جدار إسمنتي مرتفع (خاصة قرب المدن).
- أسلاك شائكة، وخنادق، وطرق دوريات، وأبراج مراقبة في مقاطع أخرى.
- عند اكتماله يُتوقع أن يتجاوز طوله 700 كم.
عام 2004م، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا اعتبرت فيه أن بناء الجدار داخل الأراضي المحتلة مخالف للقانون الدولي، ودعت إلى إزالته وتعويض المتضررين.
«إسرائيل» رفضت الرأي، معتبرة أنه غير ملزم وأن الجدار إجراء أمني مشروع.
آثار الجدار على الفلسطينيين
- فصل قرى ومزارعين عن أراضيهم.
- تقييد الحركة عبر بوابات وتصاريح.
- التأثير على الاقتصاد، التعليم، والرعاية الصحية.
- في بعض المناطق أحاط الجدار بتجمعات سكانية من عدة جهات.
الأخطر من كل ذلك، توسيع رقعة الكيان «الإسرائيلي» بعودة طرح مشروع «إسرائيل الكبرى»، فما المقصود بـ«إسرائيل الكبرى»؟ إنه مصطلح يُستخدم لوصف فكرة توسيع حدود «إسرائيل» لتشمل كامل أرض فلسطين التاريخية (الضفة الغربية وقطاع غزة)، ومؤخراً كان الإعلام الرسمي الصادر عن قادة الاحتلال بمن فيهم رئيس الوزراء نتنياهو أنه المشروع يتضمن أجزاء من دول مثل الأردن ومصر.
سياسات «إسرائيل» جميعها ينظر لها باعتبارها تؤدي عمليًا إلى توسيع السيطرة، مثل:
- توسيع المستوطنات في الضفة الغربية.
- الدعوات لضمّ أجزاء من المنطقة «ج».
- سنّ قوانين تُكرّس تعريف «إسرائيل» كدولة قومية للشعب اليهودي (مثل قانون القومية عام 2018م).
في المقابل، تيارات أخرى داخل «إسرائيل» لا تتبنى هذا الطرح وتؤيد حل الدولتين.
عودة الحديث عن «إسرائيل الكبرى» تظهر غالبًا في سياقات تصاعد التوتر أو صعود حكومات يمينية.
في المحصلة، لم يكن اتفاق أوسلو الاتفاق الذي انتظره الفلسطينيون، بل رآه كثيرون اتفاقًا حقق للاحتلال أهدافًا أمنية، في حين تواصلت مصادرة الأراضي الفلسطينية عبر الاستيطان وبناء الجدار، واستمرّ حرمان الفلسطينيين من حقوقٍ أساسية.
ولا يزال القلق يعتري الفلسطينيين على حقوقهم المسلوبة وأراضيهم المنهوبة تحت وطأة الاستيطان والجدار، ومن خلال تشريعاتٍ سنّتها «إسرائيل» وتمضي في تطبيقها رغم أنها تخالف القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
لقد قدّم الفلسطيني ما استطاع، وما يزال يصمد في مواجهة تحديات جسام تفوق في كثير من الأحيان قدراته الذاتية، غير أن المرحلة الراهنة تتطلب، إلى جانب الصمود، وحدة داخلية صلبة ومراجعة وطنية شاملة تعيد ترتيب الأولويات.
كما تتطلب تضامنًا عربيًا وإسلاميًا فاعلًا يعزز الموقف الفلسطيني ويدعم صموده، ويُسهم في الدفع نحو تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي.
