يواجه أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في قطاع غزة كارثة بيئية وصحية خطيرة، ناجمة عن تراكم مئات آلاف الأطنان من النفايات الصلبة بين التجمعات السكانية ومراكز الإيواء وخيام النازحين المنتشرة في الشوارع، وتسرب المياه العادمة، وانتشار القوارض والحشرات بشكل كثيف، وهو ما يهدد حياة السكان وصحتهم ويضيف بعداً جديداً إلى معاناتهم الإنسانية المتفاقمة.
ولا يمكن فصل هذه الكارثة البيئية والصحية عن السياسات والإجراءات التي تفرضها قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ 32 شهراً على قطاع غزة، وما زالت مستمرة حتى اليوم رغم وقف إطلاق النار الذي أُعلن بتاريخ 10 أكتوبر 2025، حيث ما زال أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين في 30% فقط من مساحة القطاع، ومحرومين من القيام بأي جهود للتعافي أو تأهيل منشآتهم المدنية بسبب استمرار حظر دخول كافة المواد الأساسية إلى القطاع وخاصة مواد البناء ومن ضمنها الأسمنت.
ويتزامن ذلك مع استمرار التدمير المنهجي للبنية التحتية، ومنع إدخال المعدات والآليات اللازمة لإزالة الركام وجمع النفايات، وعرقلة وصول الوقود اللازم لتشغيل الخدمات البلدية، ومنع إصلاح شبكات المياه والصرف الصحي، وفرض قيود على توريد المواد اللازمة لمكافحة القوارض والحشرات، وهو ما أسهم بصورة مباشرة في خلق بيئة تهدد مقومات الحياة البشرية. وتشكل هذه الممارسات انتهاكاً جسيماً للمادتين 55 و56 من اتفاقية جنيف الرابعة، اللتين تلزمان القوة القائمة بالاحتلال بضمان الصحة العامة واتخاذ التدابير الوقائية اللازمة لمكافحة انتشار الأمراض والأوبئة بين السكان المدنيين.
ويشكل استمرار حصر أكثر من مليوني فلسطيني في مساحة ضيقة، وسط تراكم النفايات وتسرب المياه العادمة وانتشار القوارض والحشرات جزءاً من ظروف معيشية قاتلة يتم فرضها على السكان المدنيين بصورة منهجية ومستمرة، بما يحرمهم من الحد الأدنى من مقومات البقاء والصحة العامة، الأمر الذي ينسجم مع مفهوم إخضاع جماعة بشرية عمداً لظروف معيشية يقصد إهلاكها المادي كلياً أو جزئياً الوارد في المادة الثانية (ج) من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية. ويعتبر استمرار هذه السياسات رغم التحذيرات المتكررة الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية بشأن مخاطر انتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة، ورفض اتخاذ التدابير اللازمة لمنع تفاقم الكارثة، مؤشراً بالغ الأهمية عند تقييم توافر القصد الخاص المطلوب قانوناً في جريمة الإبادة الجماعية.