مع ارتفاع درجات الحرارة وبداية فصل الصيف، يجد مئات آلاف النازحين في قطاع غزة أنفسهم أمام فصل جديد من المعاناة داخل خيام لا تقي من الشمس، ولا توفر الحد الأدنى من الراحة أو الخصوصية.
وفي مخيم النصيرات وسط القطاع، كما في مناطق النزوح الأخرى، تتداخل قسوة الحر مع نقص المياه والغذاء، وتراكم النفايات، وانتشار الحشرات والقوارض، في ظل تراجع خدمات الصرف الصحي والنظافة العامة، وغياب وسائل التهوية والتبريد.
لم تعد الخيام مأوى مؤقتًا يخفف عن العائلات أعباء النزوح، بل تحولت إلى مساحات خانقة تزداد صعوبة العيش فيها مع تقدم الصيف، في وقت تواصل فيه الأسر البحث عن الماء والطعام وسبل النجاة اليومية.

الحر والحشرات يضاعفان معاناة النازحين
تتحول خيام النازحين في مخيم النصيرات خلال ساعات النهار إلى ما يشبه الأفران، إذ تتكدس العائلات داخل أقمشة مهترئة لا تحمي من حرارة الشمس، ولا توفر مساحة كافية للنوم أو الحركة.
ولا تنتهي المعاناة مع غروب الشمس، إذ تبقى الخيام محتفظة بحرارة النهار، في ظل انقطاع الكهرباء وغياب وسائل التهوية والتبريد.
ويقول نازحون إن ارتفاع الحرارة أدى إلى انتشار الحشرات بصورة أكبر، فيما يواجه الأطفال صعوبة في النوم؛ بسبب البعوض والروائح المنبعثة من النفايات والمياه الراكدة المحيطة بمناطق النزوح.

الجوع والعطش يثقلان حياة العائلات
أبو العبد، نازح من بيت لاهيا إلى مخيم النصيرات، يصف الواقع بكلمات مثقلة بالتعب، قائلًا إن النازحين كانوا يعيشون تحت وطأة الحرب والقصف، لكنهم يواجهون اليوم معركة أخرى عنوانها الحر والجوع والعطش.
ويضيف أن المياه باتت من أصعب الاحتياجات اليومية، إذ لا تتوفر بكميات كافية للشرب أو الاستخدام المنزلي. ومع ارتفاع درجات الحرارة، يتحول نقص المياه إلى خطر مضاعف على الأطفال والمرضى وكبار السن، الذين يحتاجون إلى رعاية ونظافة مستمرتين في بيئة مكتظة ومفتوحة على الأمراض.
ولا تقتصر الأزمة على المياه، إذ يواجه النازحون صعوبة متزايدة في تأمين الطعام.
ويقول أبو العبد إنه يعيل عائلة كبيرة تضم نحو 30 فردًا، بينهم نساء أرامل وأطفال، موضحًا أن توفير الطعام أصبح شبه مستحيل مع انعدام الدخل وارتفاع الأسعار وشح المواد الغذائية.
ويشير إلى أن الأطفال يعانون الحرمان، وأن كثيرين منهم لم يتذوقوا اللحوم، أو يحصلوا على غذاء كافٍ منذ فترة طويلة.
وتتداخل في حديثه تفاصيل النزوح مع فقدان العمل ومصادر الرزق، إذ تحولت عائلات كانت تعيش في منازلها وتعتمد على أعمالها إلى أسر بلا مأوى ثابت أو دخل أو قدرة على تأمين أبسط احتياجات أطفالها.

لا مهرب من الخيام
تحاول بعض العائلات مغادرة الخيام خلال ساعات الذروة واللجوء إلى أي مساحة ظل قريبة، فيما يضطر آخرون إلى البقاء داخلها بسبب المرض أو رعاية الأطفال أو الخوف من فقدان ما تبقى لهم من ممتلكات قليلة.
أما في الليل، فلا يجد النازحون راحة حقيقية، إذ تبقى الخيام محتفظة بحرارة النهار، وتستمر معاناة العائلات مع الحشرات ونقص المياه والازدحام.
ويقول أبو العبد إن المشكلة لا تقتصر على ارتفاع درجات الحرارة، بل تتعلق بحياة فقدت معظم مقوماتها الأساسية: لا مياه كافية، ولا غذاء مناسب، ولا مصدر دخل، ولا رعاية صحية كافية، ولا مكان آمن يستطيع النازحون أن يستريحوا فيه.
بيئة خصبة للأمراض
تتضاعف المخاوف الصحية مع استمرار الاكتظاظ داخل مخيمات النزوح، إذ يؤدي نقص المياه وتراجع النظافة وتراكم النفايات إلى زيادة احتمالات انتشار الأمراض، لا سيما بين الأطفال.
وفي ظل ارتفاع درجات الحرارة، يحتاج النازحون إلى كميات أكبر من المياه ومستلزمات النظافة، بينما لا توفر الظروف الحالية سوى القليل من هذه الاحتياجات.
ويشير نازحون إلى أن الأطفال هم الأكثر تأثرًا بالحر والجوع والعطش، والأقل قدرة على فهم أسباب هذا الحرمان، فيما يقف الأهالي عاجزين عن توفير ما يكفي لهم.
كما تواجه النساء داخل الخيام معاناة مضاعفة بسبب غياب الخصوصية، وصعوبة تأمين المياه والنظافة، ورعاية الأطفال في بيئة قاسية. وتزداد الصعوبات بالنسبة إلى الأرامل والعائلات التي فقدت معيلها أو نزحت من دون ممتلكات أو مصدر دخل.
ويؤكد أبو العبد أن النازحين لا يطلبون سوى أساسيات الحياة: مياه للشرب، وطعام للأطفال، ومأوى أقل قسوة، وخدمات تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

صيف قاسٍ ومعركة بقاء يومية
تكشف معاناة النازحين في مخيم النصيرات جانبًا آخر من الكارثة الإنسانية في غزة، إذ لا تقف آثار الحرب عند حدود القصف والدمار، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل الخيام.
فبعد خسارة المنازل ومصادر الرزق، يجد النازحون أنفسهم في مواجهة حر شديد، وجوع متواصل، وعطش يضاعف قسوة النزوح.
وتحذر مؤسسات أممية من مخاطر صحية متزايدة في مناطق النزوح بقطاع غزة، مع تفاقم أزمة المياه والصرف الصحي، وتراكم النفايات، وانتشار الحشرات والقوارض في محيط الخيام ومراكز الإيواء.

وتشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” إلى أن أزمة المياه تضع العائلات أمام خيارات يومية صعبة بين الشرب والنظافة والوقاية من الأمراض، فيما تؤكد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” رصد ارتفاع مقلق في الأمراض الجلدية المرتبطة بالاكتظاظ وسوء النظافة، ومنها مرض الجرب.
وتزيد موجات الحر من هذه المخاطر، إذ تتحول الخيام المكتظة إلى بيئة تساعد على انتشار الأمراض، لا سيما بين الأطفال وكبار السن والمرضى، في ظل نقص المياه النظيفة، وغياب وسائل التبريد، وتراجع خدمات النظافة العامة.















المصدر: بوابة اللاجئين الفلسطينيين
