مع حلول شهر رمضان هذا العام، عادت مشاهد الروحانية الجماعية إلى واجهة قطاع غزة، رغم آثار حربٍ استمرت لعامين وخلّفت دماراً واسعاً في البنية الدينية والخدمية.
وفي ظل غياب عدد كبير من المساجد التي دمرها القصف، اتجه الأهالي إلى إقامة أول صلاة تراويح في مصليات مؤقتة داخل الأحياء، في مشهد يمزج بين الألم والأمل.
مبادرات لإحياء الشعائر
وشهدت الليلة الأولى من التراويح حضوراً لافتاً من مختلف الفئات العمرية، حيث غصّت الساحات الصغيرة والغرف الواسعة التي جُهزت كمصليات مؤقتة بالمصلين.
واعتمد السكان على مبادرات تطوعية لتنظيف الأماكن، وفرشها بالسجاد البسيط، وتأمين إضاءة ومكبرات صوت متواضعة، بما يتيح أداء الصلاة في أجواء جماعية تليق بحرمة الشهر.
ولم تعد هذه المصليات مجرد بديل اضطراري، بل تحولت إلى رمز للصمود الاجتماعي والديني؛ إذ سعى الأهالي للحفاظ على مظاهر الشهر الفضيل، من صلاة التراويح والقيام إلى حلقات تلاوة القرآن والدروس الدينية، رغم محدودية الإمكانات والظروف المعيشية القاسية.
سكينة على ركام المساجد
مؤمن نصر (39 عاماً)، وصف شعوره في أول صلاة تراويح بعد انقطاع عامين بالسكينة التي غشيت قلبه، والفرحة التي طالما حلم بعودتها بعد حرمان قسري فرضه القصف.
نصر الذي عاد إلى أنقاض مدينته، أدى صلاته فوق ركام مسجد حارته.
يقول “قبل عشرة أيام تجمع شباب الحي ونظفوا ساحة لا تتجاوز مساحتها 70 متراً، كانت جزءاً من مسجدنا”.
يضيف “أزلنا الركام وسوينا الأرض بالرمل الأحمر وأحطناها بالشوادر، واتفقنا أن يأتي كل مصلٍ بسجادته الخاصة”.
وحسبما يفيد “وكالة صفا”، فإنه “لم تكن صلاة عادية، لقد عادت إلينا روح الشهر التي حُرمنا منها، فلم تنسنا الحرب شعائرنا برغم الفقد، والجميع هنا استذكر الشهداء، حتى إمام مسجدنا غيبه الموت”.
“الشباب يعملون حالياً على توسعة المصلى وسقفه بالشوادر لإقامة كافة الصلوات فيه”، يصف نصر الأجواء.
إقبال يعيد الحياة
وفي غرب مدينة غزة، لم يختلف المشهد كثيراً، حيث اكتظت المصليات بالمصلين.
وفي مصلى “مسجد العباس”، أحيى المئات صلاة التراويح الأولى وسط أجواء تملؤها الطمأنينة.
محيي الدين أبو خليفة، أحد المصلين، يقول “اشتقنا لهذه الشعيرة التي فقدناها عامين مكرهين، فصلاة التراويح تشعر بأجواء رمضان وبسكينة تتنزل على روحك”.
ويتابع أبو خليفة حديثه لـ “وكالة صفا”، “افتقدت في هذه الصلاة إخواني وأبي وأصدقائي وأهالي بلدتي التي نزحت منها مرغماً. ورغم الوجع، تبقى لرمضان شعائره التي يجب أن نقيمها”.
ويضيف أن الإقبال الكبير على الصلاة يثبت أن الحرب لم تغير من نفوس الغزيين شيئاً، وبقي ارتباطهم بالشهر الفضيل وثيقاً.
المصدر: وكالة صفا
