لم تكن أولى ثمار البندورة التي قطفها محمود فريد محاميد في سهل عابا شرق جنين إيذاناً بموسم حصاد انتظره أسابيع، بل بداية أيام ثقيلة اضطر خلالها إلى التفكير بتفكيك البيت البلاستيكي الذي أمضى 14 عاماً في العمل لتأمينه، خشية أن تطاله آليات الاحتلال الإسرائيلي بالهدم.
وبين محصول بدأ للتو يعطي ثماره، ومنشأة تمثل خلاصة سنوات من التعب، وجد محاميد نفسه مهدداً بخسارة الاثنين معاً.
وعلى بعد مئات الأمتار، يواجه شمس الدين أحمد سليمان عزامطة مصيراً مشابهاً. فبعد أن استدان لإقامة بيته البلاستيكي، أملاً في أن تكون الزراعة بديلاً عن العمل الذي فقده داخل أراضي عام 1948، تلقى إخطاراً بإزالته قبل أن يتمكن من سداد كامل تكاليفه.
في سهل عابا، لا تفصل بين الرجلين سوى مسافة قصيرة على امتداد الطريق الالتفافي، لكن قصتيهما تختصران مخاوف مزارعين بنوا مصادر رزقهم بجهدهم ومدخراتهم، ليجدوا أنفسهم أمام خسائر قد لا يملكون القدرة على تعويضها.
محاميد، وهو من قرية دير أبو ضعيف شرق جنين، أقام بيته البلاستيكي في سهل عابا على أرض يملكها، بعدما اضطر إلى ترك العمل داخل أراضي عام 1948 بسبب تراجع فرص العمل وصعوبة الحصول على التصاريح. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الزراعة مصدر دخله الأساسي، يعمل فيها مع أبنائه، ويعتمد على عائداتها لتوفير احتياجات أسرته المكونة من سبعة أفراد.
لكن أمراً عسكرياً بإزالة البيت البلاستيكي، الذي تبلغ مساحته نحو دونم، قلب حياته رأساً على عقب، في وقت كان يستعد فيه لجني محصوله. فبعد نحو 75 يوماً من زراعة البندورة، قطف محاميد أولى الثمار، وكان يأمل استمرار الإنتاج حتى أيار/مايو المقبل، قبل أن يجد نفسه مهدداً بخسارة المحصول والمنشأة معاً.
ويقدّر محاميد تكاليف زراعة المحصول بنحو 30 إلى 40 ألف شيقل، فيما تتجاوز قيمة البيت البلاستيكي 15 ألف شيقل، وهي خسائر تفوق قدرته على التعويض، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وتراجع فرص العمل.
ويقول محاميد لمراسل “وفا” بحرقة: “عمري 54 عاماً، وبعمري ما مر علي أسوأ من هذه المرحلة، تعبي ومالي أقوم بفكه بيدي خوفاً من الهدم”.
ولم تكن عائدات البيت البلاستيكي بالنسبة إلى محاميد مجرد دخل يومي، بل ثمرة سنوات من العمل، مكّنته من تعليم أحد أبنائه في الجامعة، وتزويج آخر، والاستعداد لتجهيز منزل ابنه الثاني.
ويقول إن الزراعة كانت سبيله إلى تربية أبنائه وتأمين احتياجاتهم، لكنه يواجه اليوم احتمال خسارة مصدر الدخل الذي اعتمدت عليه أسرته لسنوات.
ولا تقتصر معاناته على البيت البلاستيكي؛ إذ يقول إنه لم يتمكن من حصاد القمح المزروع في نحو عشرة دونمات قرب معسكر حداد، فيما يتعذر عليه الوصول إلى نحو 45 دونماً من أراضيه المزروعة بالزيتون قرب مستعمرة غانيم.
ديون لم تُسدّد ومحصول مهدد
وعلى بعد مئات الأمتار من بيت محاميد البلاستيكي، يواجه عزامطة في السهل نفسه معضلة لا تقل قسوة؛ إذ لم يمض عام على إنشاء بيته البلاستيكي حتى بات مهدداً بالإزالة، فيما لا تزال الديون التي تكبدها لإقامته تثقل كاهله.
وأنشأ عزامطة العام الماضي بيتاً بلاستيكياً بمساحة 700 متر مربع، بكلفة بلغت 18 ألف شيقل، وفّر جزءاً من المبلغ بالاستدانة، بعدما فقد فرص العمل داخل أراضي عام 1948. ولا يزال مديناً بنحو ستة آلاف شيقل، حين تسلّم في 18 تشرين الأول/أكتوبر الجاري إخطاراً بإزالة البيت خلال سبعة أيام.
وكان عزامطة قد بدأ يرى ثمار قراره الاتجاه إلى الزراعة، بعدما شرع محصول “اللسينة” في الإنتاج، وكان من المتوقع أن يستمر قطف أوراقه حتى آذار/مارس المقبل، لكنه وجد نفسه أمام احتمال خسارة استثماره قبل أن يتمكن من استرداد تكاليفه.
ويقول: “عملت البيت البلاستيكي بالدين، بعدما لم يعد هناك عمل، وقلت أشتغل بالزراعة حتى أطعم أولادي، هذا مصدر دخلي الوحيد، واليوم لا أعرف من أين أبدأ من جديد”.
ويضيف: “سكرت إسرائيل والزراعة كمان سكرت، من وين بدنا نطعم أولادنا؟”.
ولعزامطة أربعة أطفال، أكبرهم يبلغ 13 عاماً، ويخشى أن تنعكس خسارة البيت البلاستيكي على قدرته على توفير احتياجاتهم، في وقت لا تتوافر فيه فرص عمل بديلة تعوّض مصدر دخله المهدد.
ولا تختلف حاله كثيراً عن حال شقيقه، الذي أقام بيتاً بلاستيكياً آخر بمساحة 600 متر مربع مزروعاً بالبندورة، وبدأ قطف أولى ثماره قبل أيام، ليجد نفسه هو الآخر مهدداً بفقدان منشأته بموجب أمر عسكري بالإزالة والهدم.
عشرات البيوت البلاستيكية تحت التهديد
ولا تقتصر آثار هذه الإخطارات على المزارعين الذين تسلّموها، بل تمتد إلى العاملين في تفكيك البيوت البلاستيكية ونقلها، الذين يشهدون تراجع مصدر رزق ارتبط لسنوات بأرض المنطقة ومواسمها الزراعية.
ويقول أحد العاملين في هذا المجال لمراسل “وفا” إنه فكك نحو 30 بيتاً بلاستيكياً خلال الشهرين الماضيين، معظمها أُقيم قبل أكثر من خمس سنوات.
ويشير إلى أن قرى عابا الشرقية ودير أبو ضعيف والجلمة وعرانة، وصولاً إلى قرية حداد السياحية، كانت تشهد، بحسب تقديره، إقامة ما بين 200 و300 بيت بلاستيكي سنوياً.
ويضيف عامل آخر أنه فكك ونقل أكثر من 50 بيتاً بلاستيكياً لمزارعين في المنطقة المحاذية للطريق الالتفافي الممتد من الجلمة باتجاه قرية حداد السياحية خلال الفترة الماضية، في مؤشر على اتساع الخسائر التي يتكبدها أصحاب المنشآت الزراعية.
إخطارات تطال منشآت ومنازل وأراضي زراعية
ويقول رئيس المجلس القروي لعابا الشرقية، برهان عزموطي، إن نحو 35 منشأة صناعية وتجارية تقع بمحاذاة الطريق الالتفافي قرب مدخل البلدة، إضافة إلى سبعة بيوت بلاستيكية بين دوار البادية ومدخل آخر للبلدة، هُدمت وأُزيلت خلال الأشهر الماضية.
ويشير إلى أن أصحاب هذه المنشآت يؤكدون أن الأراضي المقامة عليها مسجلة بأسمائهم في الطابو، لافتاً إلى تصاعد الإخطارات خلال الأشهر الأخيرة بالتزامن مع عودة النشاط الاستعماري إلى المنطقة.
ويضيف أن ثمانية منازل في البلدة تلقت بدورها إخطارات بالهدم، في الجهة الجنوبية الشرقية القريبة من مستعمرة غانيم، ما يفاقم مخاوف السكان من خسارة مساكنهم ومصادر رزقهم.
ويبلغ عدد سكان عابا الشرقية نحو 800 نسمة، يعتمد قرابة 70% منهم، بحسب عزموطي، على الزراعة، ولا سيما البيوت البلاستيكية المروية التي تنتج محاصيل مثل البندورة والخيار.
وتقدّر مساحة الأراضي الزراعية في البلدة بنحو 1400 إلى 1500 دونم، يقول عزموطي إن نحو نصفها بات متعذر الوصول إليه بسبب القيود المفروضة قرب المستعمرات والطرق الالتفافية والمواقع العسكرية.
ويوضح أن الوصول إلى بعض الأراضي يتطلب تنسيقاً مسبقاً، فيما يواجه أصحاب المواشي صعوبات في الوصول إلى المراعي والأراضي السهلية القريبة من المستعمرات. كما تؤثر البوابات الحديدية والحواجز العسكرية والاقتحامات المتكررة في حركة السكان وقدرتهم على الوصول إلى أراضيهم وممارسة أعمالهم.
ويشير عزموطي إلى أن بعض أصحاب المنشآت استعانوا بمحامين لمتابعة الإخطارات أمام المحاكم، لكن اللجوء إلى المسار القانوني لا يعني بالضرورة وقف إجراءات الهدم أو ضمان حماية المنشآت.
ويصف ما يواجهه السكان بأنه “حرب اقتصادية واقتلاعية”، في ظل ما تتركه هذه الإجراءات من آثار على قدرة العائلات على الاستمرار في الزراعة، التي تشكل مصدر الدخل الرئيسي لعدد كبير من سكان البلدة.
إخطارات جديدة تهدد مصادر الرزق
وسلّمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، يوم الأحد الماضي، أكثر من 20 إخطار هدم لمنشآت زراعية وتجارية في محافظة جنين.
وأفاد مسؤول ملف الاستيطان في محافظة جنين، طارق إغبارية، لـ”وفا”، بأن الإخطارات شملت بيوتاً بلاستيكية وغرفاً زراعية ومتنزهاً ومعرضاً للسيارات، وطالت منشآت تعود لمواطنين في المنطقة الممتدة من دوار البادية قرب عابا شرقاً، وصولاً إلى دوار الشهيد شامخ أبو الرب قرب المدرسة الأمريكية جنوباً، ما يهدد منشآتهم ومصادر رزقهم ويكبدهم خسائر مادية كبيرة.
وأضاف أن هدم البيوت البلاستيكية والغرف الزراعية والمنشآت التجارية من شأنه أن يؤدي إلى إتلاف المعدات والمواد الزراعية، والإضرار بالإنتاج ومصادر دخل العائلات المتضررة، فضلاً عن تهديد استمرارية الأنشطة الزراعية والتجارية في المنطقة.
وأكد أن هذه الإجراءات، بما تشمل عليه من إخطارات هدم وقيود على الوصول إلى الأراضي الزراعية، تزيد الضغوط على المواطنين وتهدد قدرتهم على استثمار أراضيهم والحفاظ على مصادر رزقهم، في ظل استمرار الإجراءات الإسرائيلية التي تقوض مقومات الصمود والاستقرار الاقتصادي في محافظة جنين.
وبين محصول بدأ للتو يعطي ثماره، وديون لم تُسدّد، وأراضٍ يصعب الوصول إليها، يجد مزارعو سهل عابا أنفسهم أمام خسائر تهدد مصدر رزق عائلاتهم، بعدما اختاروا الزراعة بديلاً عن العمل داخل أراضي عام 1948، واستثمروا فيها سنوات من الجهد ومدخراتهم، أملاً في حياة أكثر استقراراً.
