سجلت الباحثة الفلسطينية الدكتورة سناء قدورة براءة اختراع أميركية لابتكار يوظف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل الفجوات بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، بما يساعد المؤسسات الأكاديمية على تطوير مناهجها وتعزيز ارتباطها بالمهارات المهنية المطلوبة، ووضعت لننفسها موضعاً بين أبرز 2% من الباحثين على المستوى العالمي.
وتنحدر قدورة من بلدة سحماتا المهجّرة في قضاء عكا، وهي من مواليد لبنان، وحصلت على براءة الاختراع في 29 أيلول/سبتمبر 2026. وترى في هذا الإنجاز خطوة نحو تحويل البحث العلمي إلى أداة عملية تسهم في تطوير التعليم، معربةً عن اعتزازها بإنجاز العمل ضمن البيئة الأكاديمية لجامعة زايد، وموجّهة الشكر إلى الجامعة على دعمها للبحث والابتكار.

الذكاء الاصطناعي يرصد الفجوات التعليمية
وقالت قدورة، في حديث خاص لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، إن فكرة الابتكار جاءت استجابةً للتغير المتسارع في متطلبات سوق العمل، في مقابل ما تحتاج إليه عملية مراجعة المناهج الدراسية وتحديثها من وقت وجهد كبيرين.

وأوضحت أن بعض المهارات قد تكون مدرجة جزئياً ضمن المقررات، أو يعبّر عنها بمصطلحات تختلف عن تلك المستخدمة في توصيف المتطلبات المهنية، ما يجعل المقارنة اليدوية بين مخرجات التعليم واحتياجات العمل أكثر تعقيداً.
وانطلقت الفكرة، بحسب قدورة، من عملها الأكاديمي واهتمامها بتطوير المقررات وربط مخرجات التعلم بالاحتياجات المهنية، وسعيها إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في توفير تحليل يساعد الأكاديميين على اتخاذ قرارات تستند إلى الأدلة.
وتقوم الآلية التقنية للابتكار على تحليل المعلومات المتعلقة بالمقررات والكفاءات المستهدفة، ثم مقارنتها بالمهارات المطلوبة في سوق العمل، من خلال الجمع بين أساليب تحليل متعددة لفهم العلاقات بين المفاهيم وتحديد جوانب التوافق والفجوات التي تستوجب المراجعة.
وأكدت قدورة أن النتائج التي يقدمها الابتكار لا تحل محل الأكاديميين، بل تشكل أداة مساندة لهم، إذ يبقى تقييمها مرتبطاً بأهداف البرامج الأكاديمية وطبيعة كل تخصص.
وأضافت أن خصوصية الابتكار تكمن في اعتماده مقاربة هجينة لتحليل العلاقة بين كفاءات المقررات والمهارات المهنية، بحيث يراعي المعاني والروابط بين المفاهيم إلى جانب المصطلحات المستخدمة، إذ يمكن التعبير عن المهارة ذاتها بطرق مختلفة في توصيف المقررات ومتطلبات الوظائف، ما يتطلب تحليلاً يتجاوز البحث عن كلمات متطابقة.
تطوير المناهج من دون اختزال وظيفة التعليم
وترى قدورة أن الابتكار يمكن أن يساعد الجامعات على تحديد المهارات التي تحتاج إلى تعزيز، وتوجيه مراجعة المقررات والأنشطة التطبيقية، بما يدعم جاهزية الخريجين للانخراط في سوق العمل.
لكنها شددت على أن فرص التوظيف لا تتوقف على مدى توافق المناهج مع المتطلبات المهنية، بل تتأثر أيضاً بالخبرة العملية والمهارات الشخصية وحجم الفرص المتاحة.
وأكدت ضرورة حفاظ التعليم على دوره الأساسي في بناء التفكير النقدي وتعميق المعرفة وتعزيز القدرة على التعلم المستمر، بحيث لا يقتصر دور المؤسسات التعليمية على الاستجابة لمتطلبات سوق العمل الآنية.
وعن التحديات التي واجهتها، أوضحت قدورة أن تحويل الفكرة البحثية إلى ابتكار ذي آلية واضحة وقابلة للتطبيق لم يكن أمراً بسيطاً، خصوصاً في ظل اختلاف المصطلحات وطرق توصيف المهارات، إذ لا يعني التشابه بين الكلمات بالضرورة تطابق المعاني.
وأضافت أن الانتقال من مرحلة البحث إلى تسجيل براءة اختراع تطلّب دقة في توثيق الفكرة وصياغتها وتحديد عناصرها المبتكرة، مؤكدةً أن التجربة عززت قناعتها بأن الابتكار يحتاج إلى الصبر والمراجعة المستمرة، وأن قيمة البحث العلمي تتجلى عندما يرتبط بمشكلة واقعية ويوفر أدوات للمساهمة في معالجتها.
ضمن أبرز 2% من الباحثين عالمياً
ويأتي تسجيل براءة الاختراع بعدما أُدرج اسم قدورة ضمن قائمة أفضل 2% من الباحثين الأكثر تأثيراً في العالم لثلاثة أعوام متتالية، هي 2024 و2025 و2026.
وقالت إن هذا التقدير يعكس حضور أبحاثها ومدى استفادة المجتمع العلمي منها، وفق المؤشرات الببليومترية التي تستند إليها القائمة، ويشكل حافزاً لمواصلة إنتاج أبحاث ذات جودة وفائدة، إلى جانب كونه مسؤولية تدفعها إلى الاهتمام بالأثر العلمي والتطبيقي لأعمالها.
ويحمل هذا التقدير بالنسبة إلى قدورة معنى شخصياً بوصفها باحثة فلسطينية، إذ تؤكد اعتزازها بهويتها وبالقيم التي نشأت عليها، وفي مقدمتها التعليم والعمل والمثابرة.
وتأمل أن يشكل حضورها العلمي رسالة تشجيع للشباب الفلسطيني، وأن تسهم أبحاثها في تعزيز حضور الكفاءات الفلسطينية على المستوى العالمي.
تحديات تعرقل الباحثين الفلسطينيين
وحول الصعوبات التي تواجه الباحثين الفلسطينيين في الوصول إلى المؤسسات العلمية العالمية وفرص البحث والتطوير، أوضحت قدورة أن طبيعة التحديات تختلف باختلاف مكان إقامة الباحث والمؤسسة التي يعمل فيها.
وأشارت إلى أن أبرز هذه التحديات تشمل محدودية التمويل والبنية البحثية، وصعوبات السفر والتنقل والحصول على التأشيرات، إلى جانب ضعف الوصول إلى المختبرات والمؤتمرات وشبكات التعاون الدولية، وهي عوامل قد تقلص فرص الباحثين حتى عندما يمتلكون الكفاءة والطموح.
وترى قدورة أن مواجهة هذه التحديات تتطلب توسيع المنح وفرص التعاون والإشراف المشترك، وإتاحة الموارد العلمية، وتعزيز المشاركة البحثية عن بُعد، بما يوفر بيئة تمكّن الباحثين الفلسطينيين من تطوير أفكارهم والانخراط بفاعلية في المجتمع العلمي.
رسالة إلى الشباب والباحثات الفلسطينيات
ودعت قدورة الشباب الفلسطيني إلى مواصلة تطوير مهاراتهم، والمبادرة إلى التعلم والاستفادة من المصادر المتاحة، والبدء بمشاريع صغيرة يطبقون من خلالها ما يتعلمونه.
وأكدت أن المعرفة تنمو بالممارسة، وأن البحث الجيد يبدأ بسؤال واضح ومحاولة جادة للوصول إلى إجابة عنه.
كما دعت الطالبات والباحثات الفلسطينيات إلى منح طموحاتهن فرصة حقيقية، وبناء أساس متين في تخصصاتهن، وتعلم المنهجية العلمية، والبحث عن فرص التعاون والإرشاد.
ولفتت إلى أن المنافسة العلمية أصبحت عالمية، وتتطلب جهداً واستمرارية وأمانة علمية، مؤكدةً أن النجاح يحمل أيضاً مسؤولية توظيف المعرفة في خدمة الناس والمساهمة في معالجة المشكلات الجديرة بالبحث والعمل.
وتركز قدورة حالياً على أبحاث الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة العربية، ضمن توجه يجمع بين تطوير التقنيات الحديثة واستكشاف إمكانات توظيفها في خدمة التعليم والمعرفة.
وبين براءة اختراع تستهدف ردم الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وأبحاث تركز على الذكاء الاصطناعي واللغة العربية، تواصل قدورة مسيرتها العلمية، واضعةً تحويل نتائج البحث إلى حلول قابلة للتطبيق وتعزيز حضور الكفاءات الفلسطينية في المشهد العلمي العالمي ضمن أولوياتها.
