هل يمكن لإنسان أن يغلق منفذه إلى العالم، ويسوّر بيته بالأسلاك الشائكة والبوابات الحديدية المقفلة لئلا يصبح طريدة؟ في منطق الحياة الطبيعية، تبدو الفكرة سريالية وغريبة، لكنها في منطقة “المسعودية” التابعة لأراضي بلدة برقة شمال نابلس، باتت خيار العيش الوحيد وسلاح الوقاية الأساسي.
هناك، حيث تتماوج التلال الخضراء وتتدفق عيون المياه الجوفية وتتزين الأرض بتاريخ المحطة العثمانية القديمة، يجد المواطن الفلسطيني دياب حجي نفسه وعائلته يقيمون في حلمهم التاريخي فوق أرض الآباء والأجداد، لكنه حلمٌ مُسيّجٌ بالخوف ومحاطٌ بانتظار الخطر.
تحويل الأحياء إلى سجون اختيارية
تُعدّ المسعودية واحدة من أجمل المناطق الطبيعية والزراعية في محافظة نابلس، حيث الخصوبة والمتنزهات والمتنفس الطبيعي، غير أن هذا الجمال الناصع اصطدم بظلال الاعتداءات المتواصلة التي تمارسها قوات الاحتلال وجماعات المستوطنين المتطرفين.
فمنذ نحو ثلاث سنوات، تصاعدت هجمات المستوطنين بشكل غير مسبوق، مما أجبر الأهالي على اتخاذ قرار قاسي: تحويل حارتهم الصغرى إلى ما يشبه “الحصن السكني المغلق”.
وأنشأ السكان سياجاً حديدياً يحيط بالحي من اتجاهاته الأربعة، وأقاموا بوابات مغلقة بسلاسل وأقفال، في محاولة للحد من الهجمات المباغتة.
لم يكن التسييج حباً في الانغلاق، بل صرخة دفاعٍ عن الحق في الحياة والحد الأدنى من الأمان المفقود، في ظل عدوان متصاعد ومدعوم من كافة أطياف دولة الاحتلال من حكومة وجيش ومؤسسات أمنية وجماعات متطرفة.
ليلٌ من الرعب.. ومناوبات لا تنام
إن الظلام في المسعودية لا يجلب الهدوء، بل ينكأ جراح الخوف، لا سيما لدى الأطفال والنساء.
يروي دياب حجي تفاصيل إحدى الهجمات القاسية حين اقتحم المكان نحو 25 مستوطناً ملثمين بوشاح أسود، حاولوا خلع البوابات الحديدية وانهالوا بالحجارة على المنازل، قبل أن يضرموا النار في خيمة سياحية أقامها الأهالي للاستجمام.
هذا الواقع الميداني فرض على أهالي الحي نظام “مناوبات حراسة ليلية” حذرة، حيث يمضي الرجال ساعات الليل بالكامل في السهر والتناوب على مراقبة المداخل، لترصد أي تحرك مشبوه قد يهدد سلامة عائلاتهم قبل فوات الأوان.
البؤرة الجديدة وإغلاق شريان الحياة
تضاعفت المعاناة الإنسانية عقب إقامة بؤرة استيطانية جديدة إلى الغرب من منطقة المسعودية، أدت إلى تصاعد الممارسات العنيفة واستهداف المزارع والممتلكات، بل وحتى تقييد حرية الحركة اليومية.
لم تعد العودة إلى البيت أو الخروج منه أمراً آخذاً بالسلامة؛ إذ اعترض المستوطنون طريق السكان مراراً، خاصة خلال ساعات الليل.
وفي إحدى الحوادث البارزة، تعرض “عبد السلام حجي” (أبو سميح) للاعتداء المباشر والضرب بكعب البندقية على كتفه لمجرد مروره من الطريق الرئيسية المقابلة لمدخل المنطقة، وسط تهديدات بمنع الأهالي من استخدام طرقاتهم التاريخية.
خاتمة: تجذّرٌ يكسر إرادة التهجير
رغم هذه البيئة المشحونة بالترهيب، والحياة التي تحولت بين الأسلاك والبوابات المقفلة إلى اختبار يومي للصبر، يظل لسان حال دياب حجي وأهالي المسعودية متمسكاً بالبقاء.
وإن السياسات والاعتداءات التي تهدف إلى إبعاد الفلسطيني عن أرضه ودفعه لتكبد مرارة الرحيل، لا تزيد السكان إلا إصراراً وتشبثاً بتراب أجدادهم.
وتظل “المسعودية” شاهداً حياً على مفارقة صعبة: أن يحول الإنسان بيته إلى ما يشبه السجن لحماية أطفاله، لكنه يقف خلف تلك الأسلاك بعزيمة حرّة ترفض الانكسار.
