لم يكن توظيف الاحتلال الإسرائيلي للآثار يومًا نشاطًا علميًا معزولًا عن مشروعه الاستعماري في القدس، بل شكّل، على مدار عقود، أحد أدوات فرض الرواية الإسرائيلية ومحاولة إضفاء شرعية تاريخية مزعومة على الاحتلال، وفي هذا السياق، تأتي الإعلانات المتكررة عن اكتشافات أثرية تُقدَّم باعتبارها أدلة قاطعة على الرواية التوراتية، في محاولة لتسويق فرضيات تاريخية زائفة، وتوظيفها سياسيًا لتبرير سياسات الضم والاستيطان والتهويد.
وقالت محافظة القدس، في بيان صدر عنها اليوم الثلاثاء، إن الإعلان الإسرائيلي الأخير بشأن العثور على عوارض خشبية متفحمة في منطقة وادي حلوة ببلدة سلوان، وربطها بصورة مباشرة بما يسمى “تدمير الهيكل الأول”، يمثل تفسيرًا أحاديًا صادرًا عن الجهات الإسرائيلية المشرفة على الحفريات، في ظل غياب مراجعة علمية مستقلة ومحايدة من مؤسسات أكاديمية دولية غير مرتبطة بسلطات الاحتلال أو بالجهات الاستيطانية التي تدير الموقع.
وأكدت المحافظة أن الموقع الذي أُعلن فيه عن هذه المكتشفات يخضع لإدارة جمعية “مدينة داود” الاستيطانية، التي لا تمارس نشاطًا أثريًا محضًا، بل تُعد إحدى الأذرع الرئيسية للمشروع الاستيطاني في بلدة سلوان، حيث توظف الحفريات والحدائق التوراتية والمسارات السياحية لخدمة مخططات الاستيلاء على الأراضي والعقارات الفلسطينية، وفرض رواية أحادية تتجاهل التاريخ العربي والإسلامي والمسيحي للمدينة.
وشددت المحافظة على أن الاحتلال لا يكتسب أي حقوق في القدس من خلال الحفريات أو الاكتشافات الأثرية، لأن الوضع القانوني للمدينة تحدده قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، التي تؤكد أن القدس الشرقية جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة، وأن جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى ضم المدينة أو تغيير طابعها أو تركيبتها السكانية أو هويتها الثقافية باطلة ولاغية ولا يترتب عليها أي أثر قانوني.
وأضافت أن التراث الأثري في القدس هو إرث إنساني متراكم تعاقبت على صناعته حضارات وشعوب متعددة، بدءًا من الحضارة الكنعانية واليبوسية، مرورًا بمختلف العصور التاريخية، وصولًا إلى الحضارة العربية والإسلامية، ولا يجوز اختزال هذا التاريخ العريق في رواية واحدة أو احتكاره لخدمة مشروع استعماري.
وأكدت أن هذا التراث هو جزء لا يتجزأ من الموروث التاريخي والثقافي للشعب الفلسطيني، صاحب الأرض والوجود المتواصل فيها، ولا يملك الاحتلال أي حق في مصادرته أو إعادة تفسيره بما يخدم مشروعه الاستعماري أو يمنحه شرعية تاريخية أو قانونية.
وأكدت المحافظة أن أخطر ما تمارسه سلطات الاحتلال لا يقتصر على الترويج لتفسيرات أثرية منحازة، بل يتمثل أيضًا في مواصلة الحفريات أسفل البلدة القديمة وفي محيط المسجد الأقصى المبارك وبلدة سلوان، وما يرافقها من تشققات وانهيارات في منازل المواطنين الفلسطينيين، إلى جانب طمس معالم أثرية قائمة، وإقامة مرافق ومسارات استيطانية وسياحية تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد التاريخي للمدينة بما يخدم الرواية الإسرائيلية وحدها.
واختتمت المحافظة بالتأكيد أن القدس لا تحتاج إلى روايات يصوغها الاحتلال لتثبت هويتها، وأن القدس، ستبقى بتاريخها الإنساني والحضاري المتنوع، مدينة فلسطينية محتلة، ولن تنجح محاولات الاحتلال في تزوير تاريخها أو احتكار روايتها أو استخدام التراث الثقافي وسيلةً لإضفاء شرعية على احتلال باطل بموجب القانون الدولي.
